عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

190

الذيل على طبقات الحنابلة

وكان محباً للعلم ، مكرماً لأهله . ولم يزل كلى طريقة حسنة وسيرة رضية . وكان أثَرياً سُنياً ، متمسكاً بالحديث ، عارفاً به . وقد وقع مرة بينه وبين طائفة من الأصحاب - كأبي البقاء العكبرتي ومحي الدين بن عربي - منازعة في حديث من أحاديث الصفات ، وثبت هو على إقراره وإمراره . كما جاء من غير تأويل ولا إنكار . وانتشر الكلام في ذلك ، حتى خرج الأمر من جهة الخلافة بالسكوت عن الجهتين ، حسماً للفتنة . ولما توفى الخليفة الناصر ، وولى ابنه الظاهر - وكان من خيار الخلفاء ، وأحسنهم سيرة ، وأظهرهم صيانة ، وصلاحاً وعدلاً - أزال المكوس ، ورد المظالم ، واجتهد في تنفيذ الأحكام الشرعية على وجهها ، حتى قال ابن الأثير : لو قال القائل : ما ولى بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان هذا القاتل صادقاً . وكان رحمه الله يختار لكل ولاية أصلح من يجده . فقلد أبا صالح - هذا - قضاء القضاة لجميع مملكته ، ويقال : إنه لم يقبل إلا بشرط : أن يورث ذوي الأرحام . فقال له : أعط كل ذي حق حقه ، واتق الله ، ولا تتق أحداً سواه . وأمره أن يوصل إلى كل من ثبت له حق بطريق شرعي حقه ، من غير مراجعة . وأرسل إليه بعشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من بسجنه من المديونين الذين لا يجدون وفاء . ولما خلع عليه ، وقرئ عهده بجامع قصر الخلافة : أرسل إلى الخليفة ورقة يشكر فيها للخليفة ، ويقول : العبد يرجو من الله تعالى العون على القيام بأعباء تكاليفه . فقد أومأ إلى ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن ، لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أُوتيتها من غير مسألة أعنت عليها " . ويتم هذا الإنعام بأن يجري على اللفظ الأشرف : قلدت نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلي ما يقوى عليه ؛ ليصح العمل والحكم شرعاً . ثم رد إليه النظر في جميع الوقوف العامة : وقوف المدارس الشافعية والحنفية